أبي بكر جابر الجزائري

88

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ : أي الذين جاهدوا وصبروا من غيرهم . وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ : أي ونظهر أخباركم للناس من طاعة وعصيان في الجهاد وفي غيره . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا : أي باللّه ولقائه ورسوله وما جاء به من الدين الحق . وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ : أي عن الإسلام . وَشَاقُّوا الرَّسُولَ : أي خالفوه وعادوه وحاربوه . مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى : أي عرفوا أن الرسول حق والإسلام حق كاليهود وغيرهم . لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً : أي من الضرر لأنه متعال أن يناله خلقه بضرر . وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ : أي يبطلها فلا تثمر لهم ما يرجونه منها في الدنيا والآخرة . معنى الآيات : ما زال السياق الكريم في مطلب هداية المنافقين بكشف عوارهم وإزاحة الستار عما في قلوبهم من الشك والنفاق فقال تعالى أَمْ « 1 » أي حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهم المنافقون والمرض هو مرض النفاق الناجم عن الشك في الإسلام وشرائعه أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ « 2 » أي أحقادهم فيظهرها لرسوله والمؤمنين فحسبانهم هذا باطل وقوله تعالى لرسوله وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ أي بعلامات النفاق فيهم وقوله وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ « 3 » أي وعزتي وجلالي لتعرفنهم في لحن القول أي في معاني كلامهم إذا تكلموا عندك وبين يديك فإن كلامهم لا يخلو من التعريض بالمؤمنين بانتقاصهم والقدح في أعمالهم ، كما قيل « من أضمر سريرة ألبسه اللّه رداءها » وقوله تعالى في خطابه المؤمنين وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ولازمه أنه سيجزيكم بها فاصبروا على الإيمان والتقوى . وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ « 4 » أي ولنختبرنكم بالجهاد والإنفاق والتكاليف حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ أي حتى نظهر ذلك لكم فتعرفوا المجاهد من القاعد والصابر من الضاجر منكم وبينكم ، وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ أي ما تخبرون به عن أنفسكم وتتحدثون به فنظهر الصدق من خلافه فيه ، ولذا كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى إذا قرأ هذه الآية بكى وقال اللهم لا تبتلنا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا ، وقوله جل ذكره إِنَّ

--> ( 1 ) أَمْ هي المنقطعة المقدرة ببل وهمزة الاستفهام : فبل : للاضراب الانتقالي ، والاستفهام إنكاري . ( 2 ) الأضغان : جمع ضغن كحمل وأحمال ، وهو الحقد والعداوة ومحلها القلب : قال الشاعر : الضاربين بكل أبيض مخذم * والطاعنين مجامع الأضغان ( 3 ) لَحْنِ الْقَوْلِ هو ما يفهم من الكلام بالتعريض والإشارة لا بصريح القول . ( 4 ) بلا يبلوا بلوا المرء اختبره ، فالبلو : الاختبار والتعرف على حال الشيء ، ويكون في الشرع بالأمر والنهي .